أكد الأستاذ المساعد بكلية الطب في جامعة نواكشوط، ورئيس قسم التشريح المرضي بالمركز الوطني للأنكولوجيا، الدكتور أحمد الهيبة ولد مامين، أن جزءًا كبيرًا من معالجة مشكلة سرطان الثدي في موريتانيا يمكن تحقيقه من خلال إصلاحات عملية داخل المنظومة الصحية الوطنية.
واقترح ولد مامين اعتماد مسار موحّد وسريع للتكفل بكل امرأة تعاني أعراضًا في الثدي، يبدأ بالفحص السريري، مرورًا بالتصوير وأخذ الخزعة، وصولًا إلى إصدار تقرير التشريح المرضي في أقصر الآجال الممكنة.
كما دعا إلى تدريب القابلات والممرضين في المراكز الصحية بمختلف الولايات على الفحص السريري للثدي والإحالة المباشرة، وتعيين منسّقة مرافقة في كل مستشفى مرجعي، تتولى متابعة المريضة منذ إحالتها وحتى بدء العلاج.
وأشاد ولد مامين بالدور الذي يضطلع به المركز الوطني للأنكولوجيا، وبجهود طواقمه الإدارية والفنية، مؤكدًا أن تعزيز أثر هذه الجهود يتطلب مزيدًا من الدعم المركزي، وتنسيقًا ميدانيًا فعّالًا بين المنشآت الصحية، بالتوازي مع العمل على بناء وتجهيز مركز متكامل للأنكولوجيا.
وشدد على أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يظل حاضرًا بعد انتهاء شهر أكتوبر الوردي هو: كم تنتظر المرأة الموريتانية، بعد اكتشاف كتلة في ثديها، قبل أن تبدأ العلاج؟
وأوضح أن الأولوية في المرحلة الراهنة لا تتمثل بالضرورة في إطلاق برامج مكلفة للكشف الجماعي، بل في ضمان التشخيص المبكر والعلاج السريع لكل امرأة تلجأ إلى منشأة صحية، سواء في نواكشوط أو في الداخل، مع تقليص مراحل الانتظار وتسهيل مسار العلاج.
وأشار إلى أن منظمة الصحة العالمية وضعت أهدافًا مرجعية تشمل استكمال التشخيص خلال 60 يومًا من أول استشارة، وبدء العلاج خلال ثلاثة أشهر، وإكمال العلاج لدى 80% من المريضات على الأقل، لافتًا إلى أن تجربة رواندا تقدم مثالًا على إمكانية إحراز تقدم في هذا المجال رغم محدودية الموارد.
واستعرض ولد مامين تجربة عشوائية أُجريت في منطقة بوريرا الريفية برواندا بين عامي 2015 و2017، حيث كانت نحو ثلاثة أرباع مريضات مركز بوتارو للسرطان يُشخّصن في المرحلتين الثالثة والرابعة من المرض.
واعتمدت التجربة على إجراءات عملية، شملت تدريب العاملين الصحيين المجتمعيين على التعرف على أعراض سرطان الثدي وتشجيع النساء على طلب الاستشارة، وتدريب ممرضي المراكز الصحية على الفحص السريري وتحديد الحالات التي تستدعي الإحالة، إلى جانب توفير مرافقة مستمرة من قابلة متخصصة.
كما تضمنت تدريب أطباء المستشفى على التصوير بالموجات فوق الصوتية وأخذ الخزعات الموجّهة، وإنشاء عيادات أسبوعية متخصصة في أمراض الثدي.
وبحسب النتائج التي أوردها ولد مامين، ارتفعت كفاءة الممرضين في الفحص السريري من 24% إلى 88%، وكانت 96% من الإحالات مناسبة، فيما تضاعفت الاستشارات إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، وزاد عدد الخزعات أربعة أضعاف مقارنة بمناطق المقارنة. كذلك بلغت نسبة الحالات المكتشفة في المرحلتين الأولى والثانية 47% في مناطق التدخل، مقابل 20% في المناطق الأخرى.
وأكد ولد مامين أن التجارب البحثية تبرز حقيقتين أساسيتين: أن التشخيص المبكر لا يؤدي إلى خفض الوفيات ما لم يتبعه علاج سريع، وأن انقطاع بعض المريضات عن المتابعة بين المواعيد يستدعي توفير مرافقين متخصصين يتولون متابعة رحلتهن العلاجية.
وفي السياق ذاته، استشهد بدراسة إفريقية شملت 1429 امرأة في أوغندا وزامبيا وناميبيا ونيجيريا، وأظهرت أن الفترة الممتدة بين أول استشارة صحية والتشخيص النهائي تمثل، في المتوسط، ما بين 58% و79% من إجمالي مدة التشخيص في البيئات المدروسة، باستثناء نيجيريا. وتبرز هذه النتائج، وفق عرضه، أن جانبًا كبيرًا من التأخير يحدث بعد وصول المرأة إلى المنظومة الصحية، وليس فقط قبل طلبها للرعاية.
وكشف ولد مامين أن دراستين أشرف عليهما في المركز الوطني للأنكولوجيا أظهرتا أن الفترة بين ظهور الأعراض وبدء العلاج قد تتراوح بين ستة أشهر وسنة كاملة، وهي مدة قد تسمح بتطور الورم من مرحلة قابلة للعلاج إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تتطلب علاجًا أشد تعقيدًا وتقل فيها فرص الشفاء.
واختتم بالتأكيد على ضرورة أن يكون «أكتوبر الوردي بداية الطريق لا نهايته»، داعيًا إلى تحويل التوعية بسرطان الثدي إلى إجراءات مستدامة تضمن التشخيص المبكر، وتسريع الإحالة، وتقليص فترات الانتظار، وتوفير العلاج والمتابعة لكل امرأة تحتاج إليهما.