مقالات

بورتريه.. محمد عبد الله ولد محمدو… حين يصبح الهدوء أسلوبًا فى القيادة

 

فى عالم السياسة، كثيرًا ما تُقاس الشخصيات بما تقول، غير أن هناك رجالًا تُقاس قيمتهم بما يفعلون، وبين ضجيج الخطابات وصخب المنافسات، يبرز أحيانًا نموذج يختار طريقًا مختلفًا؛ طريقًا لا يعتمد على رفع الصوت، بل على هدوء النفس، ولا على صناعة الخصومات، بل على بناء الجسور، ومن بين هذه النماذج يبرز عمدة بلدية بنشاب، محمد عبد الله ولد محمدو، الذي تبدو حكايته امتدادًا لحكاية المدينة التي وُلد فيها أكثر مما تبدو رحلةً منفصلة عنها.

فى بحر العام 1977، أبصر النور فى ضواحى بنشاب، المدينة التي احتضنت طفولته الأولى، ومنها استمد ملامح شخصيته، فى محاظرها تشرَّب القيم الأولى، وفى مدارسها بدأ طريق العلم، قبل أن ينتقل إلى أكجوجت لإكمال دراسته الثانوية، ثم إلى نواكشوط لمتابعة تعليمه الجامعي.

كانت تلك الرحلات محطاتٍ فى طلب المعرفة، لكنها لم تكن يومًا رحلة ابتعاد عن الجذور، فقد ظل المكان الأول حاضرًا فى وجدانه، حتى عاد إليه لاحقًا وهو يحمل مسؤولية خدمته.

عرف السياسة شابًا، وشهد سنوات من التجاذبات التي طبعت المشهد المحلي، رأى الخصومات، وعاش المنافسات والمناكفات ، لكنه لم يسمح لتلك الأجواء أن تعيد تشكيل طباعه، بل احتفظ بهدوئه الشهير، واختار أن يكون الإنصات عنده مقدمة للكلام، وأن يكون التروي سبيلًا لاتخاذ القرار، لم يكن ذلك تكلفًا، بل سلوكًا لازم شخصيته حتى أصبح علامةً يعرف بها.

من يلتقيه للمرة الأولى يلاحظ أن الرجل لا يتعامل مع الناس بمنطق التصنيف؛ فلا يتسائل عن مراجعيه : أهذا مؤيد أم معارض؟ بل يمنح الجميع الاحترام ذاته، ويخاطب الجميع باللغة نفسها، لذلك لم يكن غريبًا أن يحظى بتقدير خصومه كما يحظى بتأييد أنصاره، وأن يجد الناس فيه شخصية يصعب أن تستدرجها الانفعالات أو تستفزها الخلافات.

ليس الهدوء فى شخصيته انعزالًا عن الواقع، بل هو قدرة على إدارة الواقع دون أن يفقد اتزانه، ففى لحظات التوتر، يزداد تمسكًا بالحكمة، وفى لحظات الاختلاف، يزداد إيمانًا بالحوار، وهي خصال نادرة وعزيزة، لا تُكتسب بالتكلُّف، وإنما تصنعها التربية والتجربة وطول الممارسة.

عندما اختارته ساكنة بنشاب لتولي رئاسة البلدية، لم يكن ذلك مجرد انتقال من العمل السياسي إلى العمل الإداري، بل كان انتقالًا من مرحلة الحديث عن التنمية إلى مرحلة السعي لتحقيقها، أدرك الرجل منذ البداية أن المسؤولية ليست امتيازًا، وإنما هي التزام يومي، وأن العمدة لا ينجح بقدر ما يقترب من الناس.

ومن يتابع يومياته يدرك أن البلدية بالنسبة إليه ليست مكتبًا تُنجز فيه المعاملات، بل فضاء مفتوح يبدأ من الشارع وينتهي عند آخر مواطن من ساكنة هذه الأرض المترامية الأطراف.

يقضي معظم وقته بين السكان، يتابع المشاريع، ويستمع إلى الشكاوى، ويبحث عن الحلول، ويراجع مسؤولى القطاعات فى العاصمة بشكل دائب، حتى غلبت مسؤولياته العامة على كثير من شؤونه الخاصة، ويكاد كل من يعرفه يجمع على أنه من بين العمد القلائل على الصعيد الوطني الذين اختاروا أن يعيشوا وسط ناخبيهم، لا بعيدًا عنهم.

وخلال السنوات الثلاث الأولى من مأموريته، شهدت بلدية بنشاب حراكًا تنمويًا لافتًا وغير مسبوق، تجسد في مشاريع متعددة شملت البنية التحتية، والخدمات الأساسية، ودعم الزراعة، وتحسين المرافق العمومية، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الوطنية، وهي مشاريع موثقة ومنشورة، أسهمت فى إحداث تحول ملموس فى واقع البلدية، شهد به المراقبون، ولم تكن تلك الإنجازات ثمرة الصدفة، بل نتيجة متابعة يومية وإيمان بأن التنمية تتحقق بالفعل المتواصل والعمل الدؤوب، أكثر مما تتحقق بالشعارات.

ومع ذلك، فإن ما يميز الرجل ليس حجم المشاريع وحده، وإنما أسلوبه فى إدارتها، فهو يفضل أن تتحدث النتائج بدلًا من الخطابات، وأن يسبق الإنجازُ الإعلانَ عنه، لذلك ظل حضوره الإعلامي أقل من حجم حضوره الميداني، وهي معادلة نادرة فى زمن أصبحت فيه الصورة تسبق العمل فى كثير من الأحيان.

كما استطاع فى هذا الظرف الوجيز أن يبني شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية، قوامها الاحترام المتبادل، وهي ثروة لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي.

قد يختلف الناس فى تقييم السياسات، وقد تتباين آراؤهم حول الأولويات، لكنهم يتفقون غالبًا على أن الأخلاق حين تدخل العمل العام، فإنها تمنحه قيمة إضافية، وفى تجربة صاحبنا ، تبدو الأخلاق جزءًا من منهج الإدارة؛ فلا يُعرف عنه تجريح للخصوم، ولا الانسياق وراء الانفعال، ولا الانتصار للنفس على حساب المصلحة العامة.

ولعل أجمل ما فى هذه التجربة أنها لم تنفصل يومًا عن جذورها، فما زال الرجل الذي غادر بنشاب طالبًا، هو نفسه الذي عاد إليها مسؤولًا؛ يحمل الهم ذاته، ويؤمن بأن خدمة الناس ليست موسمًا انتخابيًا، بل رسالة مستمرة.

وهكذا، فإن الحديث عن الرجل ليس حديثًا عن عمدة فحسب، بل عن نموذج فى الإدارة المحلية اختار أن يجعل من القرب من الناس منهجًا، ومن الهدوء أسلوبًا وسمة غالبة، ومن العمل الميداني لغةً يومية. وربما لهذا السبب، لا يختزل حضوره فى منصب يشغله، وإنما فى أثر يتركه، وفى ثقة بناها مع مجتمع يعرفه منذ طفولته، ويعرف أنه، مهما ابتعدت به المسؤوليات، سيظل واحدًا من أبناء بنشاب قبل أن يكون عمدتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى